استمراراً لدراسة بعض أحكام نصوص مشروع قانون الأسرة الجديد وإن كان معروضاً الآن على مجلس النواب للمراجعة إلا أنه يلزم التعرض لأثار بعض النصوص التي قد تكون لها أثاراً سلبية مستقبلية مع التطبيق الفعلي وبمرور الزمن سوف نواجه آثار وتبعات العمل بتلك النصوص وأيضاً من قبيل الخبرة لسنوات طويلة في العمل القانوني والمحاماة في دول عربية ودراسات وأبحاث لقوانين عربية ممكن أن نتنبأ من الآن بآثار تطبيق تلك النصوص وما يمليه علي الضمير الإنساني والمهني لزم لفت الانتباه لحماية بلدنا وأبنائنا مستقبلاً وبعد سنوات التطبيق ووقتها لن أكون على قيد الحياة ولكن كلمة حق لابد أن تقال عسى أن تجد من يقرأها أو يعمل بها ...ومن النصوص التي استوقفتني ولزم التعليق عليها ما جاء بنص المادة (٣١) من مشروع هذا القانون حيث جاء نصها: " يجب على كل مقبل على الزواج، وقبل توثيق العقد، أن يقدم لمن انتوى الزواج بها وثيقة تأمين تضمن لها الحصول على مبلغ مالي أو نفقة شهرية محددة المدة حال حدوث الطلاق بائناً أو التطليق بحكم نهائي، ويصدر بتنظيم إصدارها وفئاتها وقواعد استحقاقها قرار من وزير العدل بالتنسيق مع شركات التأمين المختصة، وعلى المأذون والموثق وقبل توثيق العقد الاستعلام عن إصدار الوثيقة من عدمه وإثبات ذلك بملحق عقد الزواج، ويحق للزوج استرداد قيمة الوثيقة إذا كان الطلاق على الإبراء أو التطليق خلعا أو حال الحكم بإسقاط حقوقها المالية. وفي حالة انتهاء الزواج بوفاة الزوج، تستحق الزوجة قيمة الوثيقة، وفي حالة انتهائه بوفاتها، يستحق ورثتها قيمة الوثيقة )) أرى أن تطبيق هذا النص بما جاء في ظاهره ونصه سوف يؤدي إلى عزوف الشباب عن الزواج فإذا أحس الشاب بكم هائل من الطلبات والقيود القانونية بلا شك سوف يعزف عن الزواج من الفتاة المصرية وسوف يتجه إلى الزواج بجنسيات أخرى وهنا تكمن الكارثة الكبرى فبعد عشرون عاماً من تاريخ التطبيق الفعلي للقانون سوف نجد جيلاً من الشباب في عمر العشرين عاماً ليس لديه انتماء لبلده مصر لأنه غير مصري مائة في المائة وسوف يكون ولائه دائماً لبلد أمه الأجنبية التي تربى على ثقافتها أو على الأقل فلن يكون ولائه وحبه لوطنه كما يجب ... بالإضافة إلى فقدان الهوية المصرية نتيجة اختلاطها بشعوب آخري وتصبح مصر مثل بعض الدول الأجنبية خليطاً من جنسيات عديدة ليس لها طابع محدد ولا هوية موحدة ولا انتماء وهذا هو المخطط له مسبقاً والذي يمتد أثره لاستهداف الشعب المصري في العمق ولن يكون القضاء على الهوية الوطنية المصرية إلا من خلال تفكيك نسيج المجتمع المصري من الداخل بدءً من الاسرة . إن وثيقة التأمين التي يتطلبها هذا النص لصالح الزوجة أو من ينوى الزواج بها فليس لها معنى أو مقصد إلا كونها ثقل على عاتق الشاب الذي ينوى الزواج بها، لذا يجب أن يكون أمر هذه الوثيقة اختيارياً والا يحمل صفة الوجوب ... فالزوج شرعاً هو الملتزم بإعداد وتجهيز منزل الزوجية وتجب عليه نفقة زوجته بكل ما يلزم من توفير معيشة كريمة لها ولأبنائه وعادة يكون الشاب العادي وليس الشاب الرأسمالي أو من عائلة ثرية أنه ينفق كل ما لديه لإعداد منزل الزوجية وللإنفاق على تلك الاسرة وفى بعض الأحيان يستدين فالزوجة بمجرد أن يتم عقد الزواج وتنتقل لبيت الزوجية يصبح من حقها أن تطالب الزوج بنفقة الزوجية وإذا لم ينفق سوف يطالب بكامل النفقة بأثر رجعي لجميع المبالغ المتراكمة عليه ،فإذا طلب منه فوق ذلك عمل وثيقة تأمين لصالح زوجة المستقبل وبالتأكيد فهذه الوثيقة سوف تتفاوت في قيمتها وقدرها وتصبح مظهراً من مظاهر التفاخر الاجتماعي بين الأزواج والعائلات مثلها مثل الشبكة بل يمكن لكل أب أن يطالب بوثيقة ذات قيمة عالية ضماناً لحقوق ابنته ، فإذا كانت هذه الوثيقة واجبة فماذا عن مؤخر الصداق ؟؟ أم أن هذه الوثيقة تحل محل مؤخر الصداق؟؟ أم الجمع بين المؤخر والوثيقة؟؟ وهل ستظل هذه الوثيقة سارية وتجدد من قبل الزوج وتستمر باستمرار علاقة الزوجية ؟؟وماذا لو تدهور حال الزوج مادياً ولم يستطيع أن يستمر في سداد قيمة الوثيقة سنوياً؟؟ فما هو الموقف هل تنتهي الوثيقة وتفقد الزوجة حقها ؟؟ وما هو المسوغ القانوني لتلك الوثيقة ؟؟ اري أنه إن كان هناك ضرورة من وجهة نظر المشرع لهذه الوثيقة فيجب تعديل النص لتكون اختيارية ولا تحمل صفة الوجوب وتكون باتفاق ورضا الطرفين أو الاعفاء منها أو أن تؤجل لما بعد الزواج وتحدد لها مدة للتخفيف عن عاتق الزوج قبل الزواج وتحميله فوق طاقته أو أن تكون عند الطلاق بحيث تنفق منها المطلقة على نفسها ضماناً لحياة كريمة لها خاصة اذا كان الطلاق برغبة الزوج فتعتبر تلك الوثيقة نوعاً من التعويض عن الألم النفسي نتيجة طلاقها وترتفع قيمة الوثيقة اذا كان الطلاق بعد سنوات طويلة من الزواج وفي عمر متقدم للزوجة ... آتمني على المشرع أن يعيد النظر في هذا النص .
بقلم: د. منى طه عامر
أستاذ القانون المدني
المحكم الدولي
المحامية بالنقض